عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

32

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ولهذا المعنى كان أشد الناس عذابًا من قتل نبيًّا ؛ لأنّه سعى في الأرض بالفساد ، ومن قتل عالمًا فقد قتل خليفة نبي ، فهو ساع في الأرض بالفساد أيضاً ، ولهذا قرن الله بين قتل الأنبياء وقتل العلماء الآمرين بالمعروف في قوله تعالى : { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ( 1 ) . وقال عكرمة وغيره من السلف في قوله تعالى : { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } ( 2 ) مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَامَ عَدْلٍ قَالَ : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، وَمَنْ شَدَّ عَلَى عَضُدَ نَبِيٍّ أَوْ إِمَامِ عَدْلٍ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا . قوله - صلى الله عليه وسلم - : " وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ " . وقد رُوِي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضاً من حديث معاذ وأبي الدرداء ( 3 ) ، ولكن إسنادهما منقطع . وفي هذا المثل تشبيه للعالم بالقمر ليلة البدر ، وهو نهاية كماله ، وتمام نوره ، وتشبيه للعابد بالكواكب ، وأن بين العالم والعابد من التفاوت في الفضل ما بين القمر ليلة البدر والكواكب ، والسر في ذلك - والله أعلم - أن الكوكب ضوءه لا يعدو نفسه ، وأما القمر ليلة البدر فإن نوره يشرق على أهل الأرض جميعًا ، فيعمهم نوره فيستضيئون بنوره ، ويهتدون به في مسيرهم .

--> ( 1 ) آل عمران : 21 . ( 2 ) المائدة : 32 . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 5 / 196 ) ، والترمذي ( 2682 ) من حديث أبي الدرداء ، وقال أبو عيسى : ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة ، وليس هو عندي بمتصل ، هكذا حدثنا محمود بن خداش بهذا الإسناد ، وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن الوليد بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا أصح من حديث محمود بن خداش ، ورأي محمد بن إسماعيل هذا أصح .